لسان الدين ابن الخطيب
14
الإحاطة في أخبار غرناطة
حاله : نقلت من خطّ شيخنا أبي البركات بن الحاج : أمتع اللّه به ، كنّى نفسه أبا عبد الرحمن ، ودعي بها وقتا ، وكوتب بها . وكان له ابن سمّاه عبد الرحيم ، فقلنا له : سمّه عبد الرحمن ، ليعضّد لك الكنية التي اخترت ، فأبى . كان هذا الرجل قيّما على النحو والقراءات واللغة ، مجيدا في ذلك ، محكما لما يأخذ فيه منه ، وكانت لديه مشاركة في الأصلين والمنطق ، طمح إليها بفضل نباهته وذكائه ، وشعوره بمراتب العلوم ، دون شيخ أرشده إلى ذلك . يجمع إلى ما ذكر خطّا بارعا ، وظرفا وفكاهة ، وسخا نفس ، وجميل مشاركة لأصحابه بأقصى ما يستطيع . وكان صنّاع اليدين يرسم بالذّهب ، ويسفّر ، ويحكم عمل التّراكيب الطّبّية . وعلى الجملة ، فالرجل من أجلّ نبلاء عصره ، الذين قلّ أمثالهم . مشيخته : أخذ القراءات عن الشيخ الأستاذ أبي الحسن ابن أبي العيش ، وبه تفقّه ببلده ألمريّة . وقرأ على الأستاذ أبي جعفر بن الزبير ، والخطيب أبي جعفر بن الزيات ، والراوية أبي الحسن بن مستقور ، والولي أبي عبد اللّه الطّنجالي ، وصهره الخطيب أبي تمام غالب بن حسن بن سيدبونه ، والخطيب أبي الحسن القيجاطي ، والخطيب المحدّث أبي عبد اللّه بن رشيد ، وغيرهم . شعره : من شعره قوله : [ الطويل ] إذا قذفت بي حيثما شاءت النّوى * ففي كل شعب لي إليك طريق وإن أنا لم أبصر محيّاك باسما * فإنسان عيني في الدموع غريق فإن لم تصل كفّي بكفّك وافيا * فأسمال أحبابي لدّي فتوق محنته : أحظاه وزير الدّولة أبو عبد اللّه بن المحروق « 1 » ، واختصّه ، ورتّب له بالحمراء جراية ، وقلّد نظره خزانة الكتب السلطانية . ثم فسد ما بينهما ، فاتّهمه ببراءات كانت تطرح بمذامّه بمسجد البيّازين « 2 » ، وترصد ما فيها ، فزعم أنه هو الذي طرحها بمحراب المسجد ، فقبض عليه واعتقل ، ثمّ جلّاه إلى إفريقية .
--> ( 1 ) هو محمد بن أحمد بن محمد بن المحروق ؛ تولّى الوزارة لسلطان غرناطة أبي عبد اللّه محمد بن إسماعيل بن فرج بن إسماعيل النصري ، عام 725 ه ، ثم قتل بأمر السلطان المذكور عام 729 ه . اللمحة البدرية ( ص 94 ) . ( 2 ) هو أحد مسجدي حيّ البيازين ، أشهر أحياء مدينة غرناطة ، حوّله الإسبان إلى كنيسة بعد سقوط غرناطة سنة 897 ه ، وما يزال حتى اليوم بعض أسوار هذا المجسد قائمة مع جزء من صحنه .